|
اللغة العربية كبضاعة قابلة للتصدير م.رشاد أنور كامل دمشق الرقميات 2009
أحد الخبراء المختصين بتطوير الأعمال المتعلقة بالانترنت والاعلام ومجتمع المعرفة العربي ممن تم دعوته الى المؤتمر الأول لصناعة المحتوى العربي الرقمي الذي عقد في حزيران الماضي في دمشق وهو صديق قديم لي خرج مع زملاء له من القاعة التي اعلنت فيها توصيات المؤتمر وبجدية كبيرة قال لي : أريد منك وأنت أحد منظمي هذا المؤتمر أن توصل اعتراضي!.
ابتسمت وقلت له: على رأسي ما هي المشكلة لنتفادها في المؤتمر القادم .
فتابع: أريد أن اعترض على استخدامكم لكلمتي " الشابكة " عوضاً عن "الانترنت" والخائلية عوضاً عن "الافتراضية" وايضاً اعترض على وضعها في توصيات المؤتمر. ووافقه من كان معه من أصدقاء مشاركين.
تهربت من الجواب مباشرة وبدأت أرد السلام على بعض ممن كانوا يهنؤونا على انتهاء المؤتمر بنجاح مانحاً نفسي وقتاً اضافياً لتحضير الجواب.
وأظن أن جوابي اتى مفاجئاً لي وله: ياصديقي إن هاتين الاضافتين "الشابكة والخائلية" هي نموذج للجولة القادمة التي تنتظرنا ، الجولة الأصعب في تطويع اللغة لصالح التنمية والصناعة عوضاً عن محاولة تطويع الصناعة في تبني لغة تتعثر في خدمتها .
"صناعة المحتوى العربي الرقمي " جملة لم تقحم فيها كلمة "صناعة" للتجميل ولا صدفة ولا خطأ ، بل لأنها تعبر عن أهم ما نريده من عزوة للغتنا في أن تكون قادرة فعلاً أن تولد مردوداً قابل للقياس وللاستفادة منه والأهم استرداد قيمة الاستثمار فيه وهذه هي على ما أظن أهم متطلبات أي صناعة تعتمد على بضاعة ناجحة.
معظم الخبراء والمعنيين والمهتمين "بالمحتوى العربي" لديهم تعريفهم الخاص له، وللأولويات التي يجب أن ننطلق وفقها في عملية الاستثمار في تطوير ما هو متوفر منه عبر "رقمنته"، واعتماد مفاهيم الرقمنة لما سيتم انتاجه من محتوى جديد، والاختلاف حول الاولويات والتعاريف ليس بمشكلة، لأنه ناتج عن موقف طبيعي، يعود الى طبيعة اختصاص كل منهم، فاللغوييون همهم تعريب كل شيء جديد حسب قياسات معتمدة ومفهومة من قبلهم، والأدباء بدورهم يعتبرون أن المحتوى الثقافي هو الحامل للغة وللثقافة، وهناك من يرى أن رقمنة التراث أولوية، وأنا من فريق يرى أن كل ما يصدر عن السوريين هو محتوى يجب اعتماده مهما كان بسيطاً أو عفوياً.
ولكن معظم هذه الاختلافات لا تجادل كثيراً في كلمة "استثمار" لأننا كالعادة في مثل هذه المواضيع لم نستمع ولم نحاور "المستثمرين" والأهم لم ندعوهم ليكونوا شركاء في وضع أسس واستراتيجيات الاستثمار في المحتوى وهم الأخبر في هذا المجال.
ربما سنفاجأ بأنه لا يوجد مستثمرين يؤمنون أنه هناك مجال للاستفادة من الدخول في مغامرة " صناعة المحتوى العربي " والاستثمار " في رقمنته" لأنهما عملياً أمران منفصلان ، وربما سنفاجأ بحجم الاستثمارات المستعدة في حال وفرنا لها القاعدة الاساسية والدعم وضمان الحد الأدنى من العائد.
ولنبسط الأمور فلابد من مثال، نحن لدينا في سورية صناعة للدراما مشهود لها عربياً وهي صناعة موجودة ورابحة وهامة فهل من المجدي مثلاً الاستثمار في رقمنتها؟.
الرقمنة هنا " هي تحويل هذا الانتاج من شكلة الحالي المعد للبث التلفزيوني فقط أو عبر وضعه على اقراص ليزرية الى شكل قابل للتخزين على الحواسب واتاحته للاستخدام الرقمي عبر اجراء اضافات بسيطة عليها من توصيف وتعريف وتجزيء، تجعلها قابلة للبحث والاسترجاع والاقتطاع والتجميع واتاحتها للمستهلكين مقابل عائد مادي ، وهذا هو فعلاً ما تعمل على انجازه كبريات المحطات العالمية وهذا هو الجزء الأكبر من الاستثمارات التي تنفق على تطوير عادات الاستهلاك لمستخدمي الانترنت.
فرقمنة أي مسلسل أو خبر مصور ليس عبارة عن تحويله ليكون متاح على الانترنت أو على الحاسب ولا على التلفزيونات المرتبطة بتجهيزات استقبال بث رقمي تفاعلي، بل هو ربطه بقاعدة من البيانات توصف المسلسل أو الخبر أو اللقاء وتعرف ممثليه وقصته وتربطه بالنص الاصلي له إن توفر وبكاتب القصة والسيناريو والمخرج وسنة الانتاج والعرض والعديد من الاجراءات الاخرى التي تجعله فعلا محتوى حامل لقيمة. وفي هذه الحالة سيكون قابلاً لالتقاطه من قبل محركات البحث العالمية وسهل الوصول والتداول ليس على المستوى المحلي بل العالمي أيضاً وخاصة إذا كان ملحقاً بنص مترجم لعدة لغات مثلاً.
ولنفترض أننا رقمنا فعلاً كل انتاجنا الاذاعي والتلفزيوني منذ نشأتهما بهذه الطريقة فعملياً سنحصل على كم من المحتوى لا يتوفر الآن لأهم معدي البرامج، ويكفي مثلاً أن نكتب على أي محرك بحث اسم مخرج سوري ليظهر لنا كامل نتاجه حسب التاريخ، أو الأهمية، أو الاكثر مشاهدة، أو الأكثر طلباً، ونستطيع اختيار ما نريده منها للمشاهدة أو التجميع، ومن الممكن عند مشاهدة أي مقطع أو الاستماع اليه أن نضع المؤشر على أي من الممثلين ليظهر لنا كامل اعماله المرتبطة و إذا أعجبنا النص من الممكن أن نحصل على لائحة لكامل أعمال نفس الكاتب.
الاحتمالات الاستثمارية والعائد من هذا الاستثمار مضمون مع توفر البنى التحتية من سرعة اتصال بالانترنت والذي هو أمر حتمي وليس خيال علمي وأيضاً من تطور تجهيزات الاستقبال الرقمي والتي بدورها اصبحت حواسب مخصصة لمعالجة مثل هذه الأمور.
في بداية عام 2006 وقف مدير شركة "Intel" العملاقة المصنعة لمعالجات الحواسيب بأنواعها ليعلن أن شركته دخلت الى الثورة الرقمية العالمية الثالثة عبر طرحها لمنتجها الجديد "ViiV" والذي هو عبارة عن نظام يتيح لمتابعي البرامج التلفزيونية الاستفادة من المحتوى الاعلامي الذي تمت رقمنته حول العالم وتحدث لساعة كاملة عن أن هذا هو المستقبل وهنا ستكمن استثمارات شركته. هو والعديد من الشركات العالمية ومنها "Microsoft" استثمروا في الاعلام ورقمنته لأنهم يعلمون ان العائد الكبير سيأتي من ربط المحتوى بالترفيه بالتلفاز وبتجيزات الاستماع المحمولة .
ودخول الأجهزة الهاتفية المحمولة القادرة على عرض الصور والافلام والاغلاني اضاف مليارات المستخدمين الى لائحة المستهلكين المحتملين لاستخدام المحتوى المتاح مقابل دفع أجور شهرية أو عن كل مشاهدة، وهنا العائدات التي نتكلم عنها بالبلايين.
ولكن عربياً هل نبدأ الاستثمار من المحتوى الترفيهي، المحتوى الخدمي، المحتوى الاخباري، أم نبدأ من المحتوى الثقافي والمحتوى التراثي؟.
الواقع أن الاستثمارات الخاصة ستكون مهتمة أكثر بالمحتوى الترفهي والخدمي والاخباري وهذا طبيعي ولا إدانة عليهم في ذلك لأنهم يريدون عائداً واضحاً وقابل للقياس لاستثماراتهم وتوظيفاتهم، أما الشق الثاني فهو برأي مسؤولية المستمثر الأهم وهو هنا "المجتمع" ولكن في حال استطعنا تسويق الفكرة لهم جيداً بحيث تسمح للدولة أن تستثمر من مساهماتهم "ضرائبهم" جزءاً يخصص لحماية التراث عبر رقمنته واتاحته ووضع النتاج الحالي العلمي والجاد بشكل رقمي بهدف الحفاظ على ذاكرة الأمة وهويتها .
ورغم مايبدوا من امكانات متاحة الآن وحتمية ما سيحدث في عالم يتجه الى الرقمنة إن شئنا أم أبينا يبقى التحدي الكبير أمامنا وهو هل لغتنا العربية قادرة على المنافسة أمام لغة تضع القوانين لهذا العالم الجديد وتصنع تجهيزاته وهي المهينة الى الآن واتكلم بالطبع عن اللغة الانكليزية بنسختها الامريكية ؟.
مهمة الرقمنة ممكن حلها بالمال والتشجيع والتحفيز والمشاريع ولكن فرض مصطلحات عربية جديدة مقابل تلك التي تظهر كالسيل الجارف من آلة الصناعة الغربية أمر أكثر صعوبة وأشد تكلفة مما نتصور، فكم استهلك فرض تعريب " حاسب وحاسوب وحوسبة " من جهد حكومي ومناهج واعلام وبالكاد استطعنا فرضه في سورية ولازالت العديد من الدول العربية تستخدم كلمة " كمبيوتر" ومشتقاتها واختصاراتها الى الآن .
كم سيستهلك منا جهداً فرض تعريب كلمة "الانترنت" والاستعاضة عنه "بالشابكة" ومن سيستخدمها وخاصة أننا على الأقل تأخرنا بالتعريب عشر سنوات والأهم إذا ما فرضناها في سورية كيف سيفهم علينا باقي أخوتنا العرب، وماهو تعريب "الانترانت" مثلاً في هذه الحالة وتعريف "الشبكة الافتراضية" و التحديات لن تنتهي .
ومن يعمل فعلاً على التعريب ، أنا لا أتصور أن أي جهة من الممكن لوحدها أن تكون قادرة على التصدي لتعريب كل شيء من العلوم الى الطب الى التقنيه وصولاً الى علوم الحاسب والبرمجيات، هذا حمل رهيب وكبير ومسؤولية تتجاوز لجنة أو فئة لتمتد الى مجتمع بأكمله وخاصة الى جيل الشباب منه من مستثمرين وصناعيين ومستخدميين.
واحد الحلول الممكنة هو طرح مشكلة التعريب كصناعة وبضاعة قابلة للتصدير وفصلها عن موضوع تطوير وصناعة المحتوى الرقمي حالياً حتى لا يعيق تأخر أحدهما الآخر.
هل من الممكن فعلاً أن نعتبر اللغة بضاعة قابلة للتصدير والاستثمار فيها؟.
طبعاً وأكبر دليل على هذه الامكانية المسلسلات التركية التي تمت دبلجتها الى اللهجة الدمشقية وتم اعادة تصديرها الى كل المحطات العربية وبأرباح كبيرة.
المثال ليس مضحكاً ورغم أن التعريب تم باللهجة العامية لكنه مؤشر لما يمكن أن يفعله السوريون بامكاناتهم اللغوية المشهود لهم فيها ولتعطش العالم العربي الى لغة عربية سليمة تغلف لهم بضائع وخدمات سيطرت عليها اللغات الاخرى.
ومن الممكن جداً أن نؤسس مدينة صناعية خاصة للاعمال المرتبطة باللغة مثل :
تعريب كتيبات التشغيل للتجهيزات المختلفة "من الالات الكبيرة الى التجهيزات الالكترونية مروراً بنشرات الأدوية"
تعريب الاعلانات والمنشورات الاعلانية
تعريب المواقع العالمية المهتمة بالتواصل مع العرب " الاقتصادية، العلمية، السياسية ... الخ".
تعريب الافلام الوثائقية.
الترجمة بأنواعها " الادبية، العلمية، الاقتصادية"
والأهم صناعة المناهج الاساسية والمساعدة.
إن مدينة صناعية كهذه لا تحتاج الى مكان فعلاً بكل تكفي احاطتها بالتشريعات المناسبة والمحفزة والداعمة لها لتحول كل مكان في سورية الى موقع لصناعة اللغة، وعندها فقط من الممكن لحركة يقودها إقتصاديون ورواد أعمال تبنوا اللغة كبضاعة للتصدير أن تثمر لغة تخدم مجتع الأعمال العربي والشباب الباحث عن العمل في الوطن العربي وتهيئ قاعدة لغوية موحدة فيما بينهم تجعل من اللغة العربية لغة مطلوبة ومرغوبة والأهم لغة يتم التواصل فيها مع كل الزبائن.
ليس الخطر على اللغة العربية هو دخول مصطلحات غربية عليها، بل كل الخطر أن يفقد الجيل الجديد من الزبائن القدرة على التواصل بشكل جيد باللغة العربية وتقبل دعاية المنتجات باللغة العربية وعندها، وعندها فقط، ستتجه الصناعة لمخاطبتهم بلغتهم الجديدة، وعندها فقط نخسر معركة التعريب، وصدقوني الوقت أمامنا يديق.
|